المنجي بوسنينة

318

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وعبد الرحمن بن مهدي ، فما هبت أحدا في مسألة ما هبت أبا عبد الله أحمد بن حنبل » . واعتمد محمد بن إدريس الشافعي على ابن حنبل في أخذ الأحاديث الصحيحة إذ جاء عنه قوله لابن حنبل : يا أبا عبد الله ، أنت أعلم بالأخبار الصحاح منّا ، فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه كوفيا كان أو بصريا أو شاميا . وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : جميع ما حدّث به الشافعي في كتابه ، فقال : حدّثني الثقة أو أخبرني الثقة فهو أبي رحمه الله ، وقد قال أحمد عن الشافعي : استفاد منّا الشافعي ولم نستفد منه . ولقد نال ابن حنبل ثناء وإكبار أغلب علماء الزمن الذي عاش فيه من محدثين وفقهاء ، إذ يقول إدريس بن عبد الكريم المقري الحداد : رأيت علماءنا . . فيمن لا أحصيهم من أهل العلم والفقه ، يعظّمون أحمد بن حنبل ويجلّونه ويوقرونه ويبجلونه ويقصدونه للسلام عليه . لم يهتم ابن حنبل للتعب والجهد في خروجه للعلم ، وبقي عفيفا رافضا لأخذ المال من أي كان رغم ظروفه الصعبة ، وكان يرفض مال السلطان ، ويفخر بعفته ولا يكلم ولديه وذويه إن أخذوا شيئا من السلطان ! فقد جاء عن إسحاق بن موسى الأنصاري : دفع اليّ المأمون ما لا أقسمه على أصحاب الحديث ، فإن فيهم ضعفاء فما بقي منهم أحد إلّا أخذ إلّا أحمد بن حنبل فإنه أبى . ويلاحظ أن علمه في زمنه ، كان هو الأساس والمرجع للناس إن هم اختلفوا . كما يلاحظ أنه كان صبورا على الوحدة ، فقد جاء عن ابنه عبد الله قوله : « كان أبي أصبر الناس على الوحدة ، لم يره أحد إلّا في مسجد أو حضور جنازة أو عيادة مريض ، وكان يكره المشي في الأسواق » ، وكان دقيقا في أخذه الأحاديث ويسأل عن العلم وهو في قمة محنته : « أدخل أحمد بن حنبل على الخليفة ، وكانوا هوّلوا عليه ، وقد كان ضرب عنق رجلين ، فنظر أحمد إلى أبي عبد الرحمن الشافعي ، فقال : أي شيء تحفظ عن الشافعي في المسح ؟ فقال ابن أبي داؤود : أنظروا رجلا هو ذا يقدم لضرب عنقه يناظر في الفقه » . ويظهر أن غضبه للحق وصبره في المحنة وفرض الإقامة الجبرية عليه ورفضه مال السلطان ونزاهته وشجاعته ، أمور جعلت الناس تنسج عنه كرامات بعد رحيله . لقد ظلّ ابن حنبل يعتذر عن العمل مع السلطان إلّا بشروطه ، وظلّ لا يأخذ مال السلطان ، وإن اضطر لأخذه يتصدق به على الفقراء والمحتاجين ، فقد وجه إليه المتوكل عشرة آلاف درهم ، فقال لابنه : « يا صالح خذ هذه فصيّرها عنك » . قال صالح : فصيرتها عند رأسي فوق البيت ، فلما كان السحر ، إذ هو ينادي يا صالح ، فقمت إليه ، فقال : يا صالح ما نمت ليلتي هذه ، فقلت : لم ؟ فجعل يبكي ، وقال : سلمت من هؤلاء ، حتى إذا كان آخر عمري بليت بهم ، قد عرضت على أن أفرق هذا الشيء إذا أصبحت » . وبقي أحمد بن حنبل يجهر برأيه ويفصح عن شجاعة في قول الحق ، إذ كتب للمتوكل : « قد